التوجهات المستقبلية المؤثرة في العمل الشبابي\

التوجهات المستقبلية المؤثرة في العمل الشبابي

تحميل المقال

استشراف السيناريوهات المستقبلية للسياسات والبرامج الشبابية في المملكة العربية السعودية

يعتبر الشباب ركيزة جوهرية في مسارات التنمية الوطنية بالمملكة العربية السعودية، ويعدون عنصرًا استراتيجيًا حاسمًا لتحقيق مستهدفات رؤية 2030. وتتأثر منظومة الشباب بعدد من المؤثرات الداخلية والخارجية التي يرتبط بعضها ببعض بشكل تفاعلي. وتختلف هذه المؤثرات من حيث حجم تأثيرها في رسم ملامح مستقبل الشباب، إلا أنها تعمل مجتمعة بصورة تكاملية في صياغة هذا المستقبل.

ويمثل الشباب (الفئة العمرية 15-34 سنة) الكتلة السكانية الأكبر في المملكة العربية السعودية، حيث يشكلون حوالي 36.3% من إجمالي السكان. هذا الثقل الديموغرافي جعلهم المورد الاستراتيجي الأهم لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. في ظل تحولات عالمية ومحلية متسارعة. ونستطرق بالتفصيل لتوصيف الواقع الحالي للشباب واستشراف السيناريوهات المستقبلية، استناداً على بيانات تقرير ” التوجهات المؤثرة في قضايا الشباب” الصادر من مركز بحوث ودراسات الشباب – مرشاد.

أولاً: توصيف الواقع الديموغرافي والاجتماعي للشباب

عند تحليل المشهد الحالي للشباب السعودي، نجد أنفسنا أمام معطيات تعكس تحولات بنيوية عميقة في المجتمع:

1. المشهد الديموغرافي والصحي:

  • على الرغم من أن الشباب يمثلون الأغلبية، إلا أن نسبتهم شهدت تراجعاً طفيفاً من 38.29% عام 2010 إلى 36.23% عام 2022.
  • يتمتع أغلب الشباب السعودي بحالة صحية ممتازة (بنسبة 79.87%)، مع وعي صحي مرتفع يساهم في تعزيز الصحة العامة لهذه الفئة.

2. التحولات الأسرية والاجتماعية:

  • تشير البيانات إلى اتجاه واضح نحو انخفاض معدلات الخصوبة الكلية، حيث تراجعت من 3.8 مولود لكل امرأة عام 2010 إلى 2.8 عام 20223.
  • بروز ظواهر اجتماعية جديدة مثل ارتفاع نسبة غير المتزوجين، لا سيما بين الذكور، وتأخر سن الزواج، وزيادة حالات الانفصال والطلاق.

3. الواقع التعليمي والمهني:

  • هناك إقبال واسع جداً على التعليم الجامعي (البكالوريوس)، حيث يقدر عدد الشباب في هذه المرحلة بحوالي 1,590,878 شاباً وشابة.
  • في المقابل، تنخفض الأعداد بشكل ملحوظ في مراحل الدراسات العليا كالدكتوراه (9,819 شاباً) والزمالة (1,145 شاباً).
  • يشهد سوق العمل تحسناً عاماً في معدلات البطالة، لكن التحدي يظل قائماً في سد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات “الثورة الصناعية الرابعة”.

ثانياً: تفكيك المحركات الكبرى ومسببات التغيير

يمرّ الشباب السعودي بتحوّل عميق تقوده في المقام الأول التحولات الاستراتيجية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. فقد كشف التحليل الهيكلي (MICMAC) أن رؤية المملكة 2030 تمثل العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل ملامح مستقبلهم، إذ أعادت رسم أولويات التنمية ووسّعت مساحات الفرص أمامهم في التعليم والعمل وريادة الأعمال. كما يشكّل الاستقرار السياسي المصحوب بنمو اقتصادي متوازن الأساس الذي ترتكز عليه جهود تمكين الشباب، من خلال توفير بيئة مؤسسية وتنظيمية داعمة تعزز مستويات الدخل وتفتح آفاق المشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني.

وفي السياق ذاته، برز تمكين المرأة بوصفه قوة اقتصادية دافعة أحدثت أثرًا مباشرًا في البنية الاجتماعية والاقتصادية للأسرة السعودية. فالتوسع في مشاركة المرأة في سوق العمل لم ينعكس فقط على زيادة دخل الأسر، بل أسهم أيضًا في إعادة تشكيل الأدوار التقليدية داخل المجتمع. وقد حققت المملكة تقدمًا ملحوظًا في هذا المسار، حيث سجّلت 80 درجة من أصل 100 في تقرير البنك الدولي لعام 2021، متقدمة على العديد من دول المنطقة في مؤشرات تمكين المرأة والإصلاحات المرتبطة بها.

إلى جانب ذلك، تلعب العولمة الثقافية والهيمنة الرقمية دورًا محوريًا في صياغة وعي الشباب وتوجهاتهم. فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية المصدر الأبرز لتشكيل القناعات والاهتمامات، الأمر الذي أوجد فرصًا غير مسبوقة للتواصل والانفتاح، لكنه في المقابل يطرح تحديات تتعلق بالحفاظ على الهوية الوطنية واللغة العربية. فالانفتاح الرقمي غير المنضبط قد يقود إلى حالة من الاغتراب الثقافي أو ضعف الارتباط بالقيم المحلية، ما يجعل إدارة هذا التوازن أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة.

ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية وآليات المواجهة

إن الانتقال من مرحلة رصد الواقع وتشخيص مسبباته إلى مرحلة استشراف المستقبل، يتطلب منا الانتقال من الرؤية الأحادية إلى منطق الاحتمالات المتعددة. في هذا الجزء نغوص في ‘كيفية’ تشكل هذا الغد بحلول عام 2035، من خلال استعراض أربعة مسارات احتمالية (سيناريوهات) تم بناؤها وفق منهجيات علمية رصينة. وهي تهدف في جوهرها إلى تقديم ‘خارطة طريق استباقية’ تمكن صناع القرار والشباب أنفسهم من تعظيم الفرص الكامنة في السيناريو المتفائل، وتحييد المخاطر المستترة في السيناريوهات المتشائمة، لضمان أن يكون غد المملكة شاباً، واعداً، ومستداماً

1. السيناريو المتفائل:

  • التوصيف: نجاح كامل للإصلاحات، حيث يتحول الشاب إلى شريك حقيقي في التنمية، ويرتفع دخل الفرد، وتتحقق الاستدامة المالية.
  • المظاهر: زيادة التنافسية العالمية للشباب، ورفع نسبة ممارسة النشاط البدني إلى 64%، وتمثيل الشباب والنساء في المناصب السيادية بنسب تتجاوز 30%.
  • الاحتمالية: هو السيناريو الأكثر احتمالاً (بنسبة 7.87% تقنياً في بعض المتغيرات) نظراً للإرادة السياسية القوية والاستقرار المستمر.

2. السيناريو الخطي:

  • يفترض بقاء التوجهات المؤثرة في مكانها دون تغييرات جوهرية حادة، وهو مسار “وسطي” قد يتطور للمتفائل أو يتراجع للتشاؤمي.

3. السيناريو التشاؤمي:

  • يحذر من تراجع دور الأسرة في التنشئة أمام هيمنة العمالة الأجنبية أو وسائل التواصل، مما يهدد الهوية الوطنية.
  • يتوقع حدوث فجوة تكنولوجية وبيروقراطية تؤدي لتخرج شباب بمهارات لا تناسب سوق العمل.

4. السيناريو الكارثي:

  • حالة نادرة ومفاجئة ناتجة عن اضطرابات إقليمية حادة أو أزمات اقتصادية عالمية غير معالجة تؤدي لانهيار الثقة في المؤسسات الحكومية.

ولضمان تحقق السيناريو المتفائل وصناعة مستقبل أكثر استدامة، ترتكز المملكة على حزمة من آليات التمكين المؤسسية الفاعلة، حيث تؤدي مؤسسة مسك دورًا محوريًا في تطوير المهارات القيادية وتعزيز القدرات الابتكارية لدى الشباب، بما يسهم في إعداد جيل قادر على المنافسة محليًا وعالميًا، فيما تعمل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على تقديم برامج دعم التوظيف وتنفيذ مبادرات موجهة لإدارة وتنمية الطاقات الشبابية ورفع جاهزيتهم لسوق العمل.

لذلك إن استشراف مستقبل الشباب السعودي بمثابة تخطيط استراتيجي يهدف لتجنب الأزمات قبل وقوعها. إن نجاح هذا الجيل في عام 2035 يعتمد على الموازنة الدقيقة بين الانفتاح العالمي (العولمة) والتمسك بالقيم الوطنية، مع استثمار الدعم السياسي غير المسبوق لتحويل الحلم إلى واقع مستدام ومزدهر.

* تم إعداد هذا المقال بالاستناد إلى تقرير: التوجهات المؤثرة في قضايا الشباب  – 2025

مرشاد

المزيد من المقالات