حماية المستقبل – كيف يحصن العاملون مع الشباب جيل الغد من آفة المخدرات

  • مشكلة تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية: 

يعاني حول العالم قرابة 316 مليون بالغ (15 سنة فاكبر) من مشكلة تعاطي المخدرات ويشكلون ما نسبته 6% من سكان العالم البالغين1. ولا يقف حجم الخطر عند مستوى الوقوع في تعاطي المخدرات فقط، فالعالم يخفي حقيقة حجم إدمان المسكرات والكحول والتي تشكل خطرا حقيقيا على الصحة والأمن وحياة المجتمعات، كحال خطورة تعاطي المخدرات. وتصل مستويات التعاطي لكافة أنواع المؤثرات العقلية حسب التقديرات البحثية المحلية إلى قرابة 4.2% في عام 2023م2 

إن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية والمسكرات واستعمال الأدوية المسببة للإدمان بدون وصفة طبية، يعد من أكبر المخاطر العالمية المهددة للصحة النفسية والعقلية، والمدمرة لبنية العقل والمسببة لحدوث مرض الإدمان العقلي، وانبثاق العديد من الأمراض النفسية الخطيرة. فالمخدرات والمؤثرات العقلية، تمتلك تراكيب كيميائية تمكنها من اختراق نظام الاتصال العصبي، ومن ثم تتداخل مع طرق إرسال واستقبال ومعالجة المعلومات التي ترد إلى الدماغ والجهاز العصبي، وتؤدي إلى حدوث تغيرات خطيرة وحاسمة في الدماغ وفي تركيبة الخلايا العصبية، وتعطل الدماغ عن القيام بعمليات في غاية التعقيد، وتضر بقدرة الدماغ على مستوى التذكر والتعلم والتفكر والتأمل والشعور وصنع القرار والتحكم في طرق التفكير وإدارة المشاعر والتصرف وضبط النفس.  

  • متى يقع الصغار والشباب في تعاطي المخدرات؟ 

يقع الصغار والشباب في تعاطي المخدرات في أعمار تتراوح ما بين تسع سنوات إلى 22 سنة. حيث يقع في التعاطي ما نسبته4.4% من جملة من وقعوا في التعاطي وهم لا يزالون في سن أصغر من 14 سنة. ويقع قرابة 20% من جملة المتعاطين في التعاطي وهم صغار مراهقين في سن ما بين 14 و 16 من العمر. ويقع ما نسبته 32% في عمر يتراوح ما بين 17 عاماً و 19 عاماً. ويقع قرابة 24% من الشباب وهم في عمر يتراوح ما بين 20 عاماً و 22 عاماً3 

وأظهرت مسوح التعاطي المحلية (2011 و2018 و2022) المطبقة على طالبي العلاج من اضطرابات التعاطي والمتعافين، أن مدة البقاء في دائرة التعاطي هي قرابة 15 سنة.  وبينت نتائجها أن الأسر لا تعلم بتعاطي الأبن إلا بعد مرور قرابة ثلاث سنوات، ولا يشعر المتعاطي بحاجته للطبيب إلا بعد مرور قرابة 6 سنوات على تعاطيه. ويبلغ متوسط الانتكاسة قرابة 4 مرات. وبين مسح 2022 أن متوسط الانفاق الشهري على تعاطي المخدرات محلياً يبلغ 2800 ريال شهريا4. 

 

  • عوامل التعاطي: 

وبمراجعة نتائج مسوح ودراسات خصائص المتعاطين والتعاطي (2011، 2018، 2022 )، وجد أن أخطر العوامل التي تدفع لتعاطي المخدرات هو مرافقة المتعاطين والمنحرفين (86.6%) والوقوع المبكر في التدخين، والاعتقاد بأن التعاطي يجلب السعادة (86.4%) وأنه يمكن للشخص تجربة التعاطي ثم تركه متى شاء (84.7%). ولقد تشكلت معتقدات المتعاطين حول تعاطي المخدرات نتيجة الدعاية السلبية بفاعلية المخدرات (82.2%) وانها تنتج البهجة. حيث يقع الصغار والمراهقين والشباب في تجربة التعاطي كقرار غير متأني منهم، رغبة في التجربة وطلبا للبهجة ونتيجة ضغط الرفاق المتعاطين والسيئين. تزمنا مع فقدهم للمعلومات والمعارف الصحيح عن تأثير ومضار تعاطي المخدرات، وغياب الرقابة الأسرية، والجهل بطبيعة مرض الإدمان، إلى جانب وجود المشكلات، أو توفر الأموال، والفراغ، والافتقار لمهارات رفض التعاطي، ومهارات صنع القرار، وانخفاض مستوى تقدير الذات، وانخفاض مستوى استشعار المسؤولية. كما يؤثر في الوقوع في التعاطي العيش في أسر مفككة، وفقد الأبوين، والتهميش، وضعف الارتباط بالتعليم، وعدم الحصول على عمل، والتساهل بالمخدرات.  

وبقراءة تفاعل عوامل الخطورة المحيطة بالفرد وقلة الوعي بخطر التعاطي حسبما أشارت إليه الدراسات السابقة، وجد أن التعاطي يحدث بسبب توفر وتضافر مجموعة من العوامل الشخصية والأسرية والمجتمعية والبيئية التي تهيئ الفرد لتعاطي المخدرات. النتائج الرئيسة التالية: 

  1. يعد ارتفاع معدل وعي الأفراد بخطر تعاطي المخدرات وحقيقة ما تحدثه من خطر على صحة العقل، من أهم العوامل التي تقي الفرد من الوقوع في تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  2. المنازل التي يوجد بها آباء يمارسون ضغطًا على أبنائهم، ولا يجيدون تربية المراهقين، ولا يجيدون الإدارة الأسرية، في الغالب هي منازل تخرج منها فئات من المراهقين ترتفع احتمالية تعاطيهم للمخدرات والمؤثرات العقلية. 
  3. معرفة وتمكن الوالدين من تطبيق أصول التربية المتوازنة التي تراعي الاحترام ووعي الطفل وتربيته تربية ملائمة لمتغيرات العصر، يقلل من وقوع المراهقين في التعاطي. 
  4. الآباء الذين يتعاطون مخدرات أو تميل اتجاهاتهم للمخدرات، أو يبيعون المخدرات، يشكلون خطرًا على أطفالهم، وعلى اتجاهات المراهق نحو تعاطي المخدرات. 
  5.  المرحلة العمرية الخطرة لتعاطي المخدرات تتراوح ما بين 13 إلى 19 عامًا. وهو ما يوجب ضرورة توجيه الانتباه والرعاية والتثقيف لهذه الفئة.   
  6. صغار الشباب والمراهقون الذين يتذوقون طعم المخدرات في مراحل مبكرة من عمرهم معرضون لتعاطي المخدرات فيما بعد بشكل مكثف وخطير على صحتهم. 
  7.  المراهقون يذكرون أنه لا يوجد شيء يمنعهم أو يوقفهم عن تعاطي المخدرات إذا جربوها، وأنهم لن يستمعوا لأية نصيحة من أي أحد في بدايات التعاطي والانتظام عليه. 
  8. المراهقون متعاطو المخدرات لا يرغبون في تدخل أحد لإنقاذهم من تعاطي المخدرات، فهم يستمتعون ولا يرغبون في تدخل الآخرين ولا يرون أن تعاطي المخدرات مشكلة. وهذا ما جعل الكثير من دول العالم تتبع سياسات التعليم المبكر للأطفال بخطر المخدرات، وتعليمهم أساليب قبول المساعدة في حال وقوعهم في مخاطر تعاطي المخدرات.  

 

  • علامات التعاطي المبكرة: 

يمكن لكل من الأسرة والمدرسة وبيئة العمل ما يلي: 

  • اكتشاف العلامات التي قد تؤدي بالصغار والمراهقين للوقوع في تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  • اكتشاف العلامات المبكرة للوقوع في التعاطي. 
  • التعامل المبكر واحتواء مشكلة الاقتراب من التعاطي. 
  • التعامل المبكر واحتواء الوقوع في التعاطي بشكل مناسب وفاعل. 

 

  • العلامات المبكرة للاقتراب من التعاطي: 

هناك مجموعة من العلامات التي تدل على الاقتراب من الوقوع في التعاطي، ومن أبرزها ضعف التحصيل الدراسي، والعناد، والميل للشخصية الباحثة عن المتعة، وعدم الوعي بخطر تعاطي المخدرات، والميل للمخاطرة والتهور، ووجود أشخاص بتعاطون المخدرات في المحيط العائلي وفي الحي ومن الرفاق، وتعاطي أحد الوالدين للمخدرات، وفقد الرقابة الأسرية، وعد امتلاك مهارات إدارة الوقت وإدارة الأموال وتجنب التعاطي، ووجود سمات شخصية تابعة غير قادرة على رفض التعاطي، والوقع في التدخين أو في بعض السلوكيات المنحرفة. 

  • العلامات المبكرة للوقوع في التعاطي: 

من يقع في تعاطي المخدرات تطرأ عليه تغيرات جسدية ولفظية وسلوكية، فضلا عن تغيرات تلحظ على المستوى الدراسية والمال والعلاقات، ومن أبرز تلك العلامات التغيرات الجسدية والحركية، كاحمرار العينين أو التلعثم في الكلام او النشاط المفرط أو السهر الطويل، أو الترنح، أو الضحك الهستيري، أو الرائحة الكحولية من الفم، وعدم اتساق الكلام وضعف التركيز والتشتت. فضلا عن تغيرات تطال المال حيث يلحظ طلب المال المستمر والانفاق غير المعقول للمال، وضعف التحصيلي الدراسية والتغيب عن البيت والخروج بدون إذن وعدم الرد على الاتصالات والهروب من المنزل والنوم بدون إذن خارج منزل الأسرة، ووجود رائحة تدخين وحشيش في الملابس، وربما حروق في الملابس، وربما تهيج في الأنف ونقص الوزن، والتغيب عن العمل، والنوم الطويل، والتغير لدرور الفعل والمسل للانفعال.  

  • الاحتواء المبكر للتعاطي: 

في حال وجود اشتباه بالتعاطي، ينبغي على الأسرة وعلى الأصدقاء وعلى هيئة التعليم، وعلى زملاء ومشرفي العمل، التدخل بطرق ذكية وحكيمة لاحتواء الشخص الوقاع في التعاطي. وهناك العديد من الأدلة الإرشادية التي تساعد في التعامل مع حالات التعاطي سواء من قبل الأسرة أو من قبل بيئات التعليم أو من قبل بيئات العمل ومن أبرزها تلك التي وفرتها شركة آفاق الوقاية. ومن أسس الاحتواء المبكر: 

  • التأكد من حقيقة التعاطي قبل التدخل. 
  • طلب استشارة متخصصة من قبل أحد المستشارين أو المتخصصين لكيفية التدخل ويمكن طلب هذه الاستشارة من المركز الوطني لاستشارات الإدمان 1955. 
  • رسم خطة واضحة للتعامل مع الحالة ووضع حلول بديلة للتعامل مع التغيرات الممكن حدوثها. 
  • مناقشة المشكلة مع الأبن او البنت بطريقة مباشرة وحكيمة مع وجود أدلة تدعم القول. 
  • معرفة العوامل التي أدت بالأبن أو البنت للتعاطي ومعالجتها. 
  • مراجعة أو طلب استشارة هاتفية من أحد المستشارين عن كيفية التعامل مع حالة التعاطي. 
  • طلب تدخل متخصص يمكنه التعامل مع سلوكيات الإدمان وتغيير قناعات المتعاطي. 
  • تغيير ما يمكن تغييره من عوامل الخطورة الخارجية ورد أثرها، كتغيير الأصدقاء تغيير بيئة العيش أو تغيير بيئة التعليم أو تغيير مكان العمل. 
  • توفير بيئة آمنة وشبكة علاقات جديدة من الأصدقاء القادرين على دعم التعافي. 
  • استمرار الاحتواء لمدة ثلاثة أشهر. 
  • شراء أدلة عن كيفية التعافي من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية وإعطائها للشخص المستهدف وقفه عن التعاطي. 
  • الاستعانة بالجهات المختصة للإبلاغ عن المروجين الذين يبيعون للأبناء المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  • التدخلات المناسبة لوقاية الصغار والشباب من تعاطي المخدرات: 

وقاية الصغار والشباب من الوقوع في تعاطي المخدرات تتطلب من القائمين على التخطيط لمواجهة ظاهرة المخدرات، بناء استراتيجية وطنية كل خمس سنوات توفر كافة السياسات والمبادرات والتدخلات المناسبة لوقاية الصغار والشباب من تعاطي المخدرات. ولا يمكن توفير مثل هذه الخطط والسياسات والمبادرات والبرامج بدون معرفة ومراقبة لوضع ظاهرة المخدرات، والعوامل التي تؤدي إلى حدوثها. ومن أبرز السياسات التي ينبغي توفيرها على مستوى المجتمع، وعلى مستوى مؤسسات العمل، وعلى مستوى بيئات التعليم، ما يلي: 

  • رصد ومراقبة ظاهرة تعاطي المخدرات ووضع خطة لمواجهتها. 
  • منع توفر المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  • وقاية الصغار والشباب من تعاطي المخدرات. 
  • احتواء وعلاج وتأهيل من وقع في تعاطي المخدرات. 
  • وضع التعليمات والأنظمة والعقوبات التي تساعد في منع تعاطي المخدرات. 

والمواجهة على مستوى المجتمع الكبير تتطلب من الوزارات والجهات المعنية والعاملين على الخطيط في مجال حماية ووقاية الشباب من مخاطر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية وفي مجال مواجهتها، العمل على تحقيق ما يلي من مبادرات: 

  1. إنشاء معهد وطني يتولى دراسات ومراقبة ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية والتخطيط لمواجهتها. 
  2. إنشاء نظام معلوماتي وطني جغرافي عن ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  3. رسم السياسات الأمنية المتكاملة لمواجهة ظاهرة المخدرات. 
  4. رسم سياسات ومعايير الوقاية من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  5. تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في تصميم وتقديم برامج الوقاية من تعاطي المخدرات. 
  6. إطلاق حملة وطنية للوقاية من المخدرات لمدة ثلاث سنوات، تطبق معايير الوقاية، وتكون تحت إشراف هيئة الصحة العامة (وقاية). 
  7. توفير برامج الاحتواء لمنع الوقوع في التعاطي، ومنع الاستمرار في التعاطي. 
  8. إنشاء برنامج وطني لعلاج الإدمان في السجون. 
  9. إدخال برامج العلاج البديل لعلاج الإدمان كبرنامج ضيافة أثير. 
  10. توفير نظام وطني موحد لمراقبة السموم، ومراقبة صرف الأدوية الخاضعة للرقابة والمسببة للإدمان. 
  11. بناء التشريعات اللازمة لحماية السلامة العامة والسلامة المهنية من خطر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  12. بناء سياسات حماية بيئات التعليم والتدريب من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية. 
  13. تقييم الأنظمة والقوانين المرتبطة بمنع المخدرات والمؤثرات العقلية وتقنين استخدامها ونظم مراقبتها والعقوبات المرتبطة بجرائم ذات الصلة بها، وتحديثها بشكل مستمر بما يتناسب وتطورات الظاهرة. 

 

هذا والحمد لله رب العالمين 

 

 

باحث سعودي مختص في دراسة ظاهرة المخدرات وقضايا المجتمع والشباب 

مرشاد

المزيد من المقالات