- الشباب هم كل المجتمع:
تُولي -بفضل الله- المملكة العربية السعودية اهتمامًا عظيمًا بكل مكونات تنمية الشباب ذكورًا وإناثًا، حيث تعمل بمختلِف مؤسساتها الرسمية والأهلية على بناء وتنمية الشباب، صحيًّا، وعِلميًّا، ونفسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا، ومهنيًّا، وثقافيًّا وتقنيًّا، إدراكًا ووعيًا من المخططين بأنَّ الشباب هم كل المجتمع القادم، والأساس المعاصر، والوقود الحقيقي لحيوية المجتمع. وتتشكل هوية المجتمع الثقافية، والأمنية، والمهنية، وبقية سمات المجتمع الظاهرة والكامنة، وَفْقَ ما يحمله الشباب من أفكار واتجاهات ومهارات، وما يلعبونه من دور في حياة المجتمع ومؤسساته. حيث يستطيع الشباب في غُضون 20 سنة فأقل أن يشكل وجهًا وكيانًا ومسارًا جديدًا لأي مجتمع.
- مهددات الثقافة والقيم وهوية الشباب:
في سياق عالمي متغاير ثقافيًّا متداخل تقنيًّا، تعصف به العديد من موجات التغيير السياسية والثقافية والدينية والتقنية والاقتصادية، تولد ثقافات بملامح غير متوقعة وتموت ثقافات أصيلة، وتنشأ بكل أسف معطيات وموجات ثقافة مفتعلة خالية من القيم الأصيلة، تعمل وَفْقَ التكيف والاستغلال لمخرجات التغير الرقمي والتقني والصناعي، على فرض نفسها كأنماط سلوكية وتوجهات فكرية مهيمنة على ثقافات وقيم عالمية راسخة. وتحاول أن تغير من قوة ومتانة القيم الأخلاقية والثقافية. وما يُلحظ من تحولات عالمية في سياق التغير الثقافي والقيمي على مدار القرن الأخير، قد لا يبعث بالتفاؤل حيال ثبات الثقافات العالمية ذات القدم والرسوخ التاريخي. وبعض تلك التغيرات هي حالة من التغيير والموجات والمدود التي تستهدف تغيير الأيديولوجات والثقافات الراسخة، وتضعف من الانتماء الثقافي والولاء الوطني للشباب نحو مجتمعاته وثقافاته. وهي موجات محمومة ضارة لا تراعي الخصوصيات الثقافية، وتستهدف تغيير الشباب حول العالم وإغراقهم في سياقاتها غير المنضبطة وغير الأخلاقية وغير المتسقة مع معايير الأمن والسلامة والدين والسياسة، وهي مهدد عظيم لهوية الشباب وقيمه وثقافة المجتمعات، بل ومعول هدم في بناء الحضارات الراسخة. مما يدفع لفهم ما يحدث من تغيرات تهدد قيم الشباب وثقافتهم وهويتهم.
- كيف تتشكل قيم الشباب والهوية وتتغير ثقافة المجتمع؟
ثقافة المجتمع هي النسق الذي تنبثق منه القيم. والقيم تعرف بأنها مجموعة المعتقدات والمبادئ التي يتبناها الفرد في حياته، وتؤدي دورًا عظيمًا في تحديد اتجاهاته ومواقفه وتصرفاته. ومن جهة أخرى يعتبر مفهوم الهوية لدى الشباب من أهم مفاهيم بناء سمات الشخصية وبناء أيدلوجية الشباب الفكرية. وقيم الشباب تتشكل من خلال مجموعة عوامل من أبرزها تعاليم الدين وثقافة المجتمع وما يسود هذه الثقافة من قيم وأعراف وتقاليد وطقوس اجتماعية. وما يستقر وما يكتسب الشباب من أفكار وقيم ينعكس مباشرة على هويتهم الاجتماعية والمهنية والوطنية.
فثقافة المجتمع بكل مكوناته المادية والمعنوية، تولد أفكار الشباب وقيمهم، وقيم الشباب تَبْني هُوِيَّته وسمات شخصيته، وهوية وسمات شخصية الشباب تنعكس في شكل تصرفاتهم التي تشكل نمط ثقافة ذات ملامح جديدة، وتصرفاتهم وممارساتهم الثقافة الفرعية الجديدة تعيد تشكيل الثقافة الكبيرة في المجتمع.
من جهة أخرى، فالتطور في جوانب الثقافة المادية لدى المجتمع يتطلب تغييرًا ثقافيًّا ومجتمعيًّا في التعامل معها واستخدامها، ويتطلب تغييرًا في أسلوب الحياة السابق إلى أسلوب مواكب للتطور المعرفي المفيد. ولذا التقدم التقني والرقمي والصناعي والمعرفي مطلوب لتجديد الثقافة. وتجدد الجوانب المادية للثقافة يملي تغييرًا في عدد من العادات والتقاليد والممارسات والقيم الاجتماعية بما يتواكب مع التغير المادي. ولكن المكروه والضار هو التغيير الثقافي السلبي الذي يطال معتقدات المجتمع الراسخة وقيمه، ويغيّر من هُوِيَّته الدينية والاجتماعية والثقافية. ولكون الشباب هم من يحملون في الغالب هذا التجديد الثقافي أو التغيير السلبي، وجب على المجتمع وخاصة مؤسساته الفاعلة في تشكيل هُوِيَّة الشباب، وأن يوجهوا ويتحكموا ويقودوا التجديد الثقافي المستمر على نحو إيجابي.
- ما الذي ينبغي على المجتمع عمله لحماية قيم الشباب وهويتهم؟
تستدعي المرحلة المعاصرة، تدخلات مجتمعية مخططًا لها، وَفْقَ منهجيات أصيلة وسياسات مستدامة، منطلقة من استراتيجيات بعيدة المدى، لبناء قيم الشباب الفاعلة في تشكيل هويته وهوية المجتمع. ولكي يتمكن المجتمع من بناء وحماية قيم الشباب وهويتهم بشكل مخطط له وفاعل، فإن ذلك يتطلب ما يلي:
- رصد ومراقبة تطورات قيم الشباب والتغيرات التي تحل بها، والمخاطر التي قد تهدد بناء قيم الشباب، وذلك كل ثلاث سنوات.
- بناء خطة وطنية استراتيجية للشباب تضمن استدامة بناء قيم وثقافة الشباب المستهدفة، وتشكيل هويته.
- تعزيز السياسات والبرامج التي تستهدف بناء قيم الشباب وهويته وتمكينها وتفعيلها، وتكاملها مع سياق الثقافة المجتمعية والمتطلبات الوطنية والدينية.
- تصميم مبادرات وبرامج وطنية وكراسي بحثية لتعزيز هوية الشباب الوطنية وقيمه.
- إشراك الشباب في تحديد القيم المستهدف بناؤها، وملامح الشخصية المستهدف تعزيزها وتأكيدها للشباب، وفي جميع ما يتعلق بمبادرات تنمية وتطوير هوية الشباب وقيمهم.
- تفعيل دور المؤثرين في حياة الشباب لتعزيز قيم وهوية الشباب.
- وضع سياسات وآليات عمل لبناء القيم المحورية وهوية الشباب والتي من أبرزها:
- القيم الاجتماعية: وتتضمن قيمة الولاء والانتماء للعائلة والمجتمع، والعلاقات الجيدة بينهم.
- القيم الدينية: ومنها قيمة الانتماء للإسلام والمحافظة على الصلاة وأركان الدين.
- قيم المواطنة: ومن أهمها قيمة الولاء لولي الأمر واستشعار الولاء للوطن واستشعار أهمية الوطن بكل مكوناته، والمساهمة في تنميته وبنائه، وحماية مقدراته.
- هوية الشباب وتحدياتها: حيث ينبغي على المجتمع العمل على بناء الهوية الإيجابية لدى الشباب من خلال تنمية وتدريب الشباب وتوعيته بأهمية الشعور الإيجابي بالهوية الوطنية والدينية والثقافية. وهذا الشعور يعزز من سعادة وثقة الشباب بنفسه ومجتمعه، ويجعله قادرًا على الفخر بانتمائه والاطمئنان لذلك، ويتيح له الأمر التكيف مع واقعه ومعطياته وحاضره ومستقبله.
- التعزيز الثقافي: ويتضمن العمل المخطط له لتعزيز القيم الكبرى في المجتمع ولدى الشباب، وإعادة إنتاج القيم الثقافية والوطنية بشكل سهل ومؤثر عبر الوسائل الحديثة المؤثرة في الشباب.
- إدماج الشباب في البرامج التفاعلية: وهذا يتضمن قيام خطة تُفَعِّل دور جميع المؤسسات الرسمية والخيرية والاجتماعية، لإشراك الشباب في أنشطة وقنوات تعزز قيمهم وهويتهم من خلال التوعية والممارسة الميدانية.
- تعزيز الوعي الثقافي لدى الشباب: وعمليات تعزيز وعي الشباب الثقافي بأهمية قيمه تساهم في بناء هُوِيَّته، وتتطلب التخطيط والتمكين لتوفير بيئة متكاملة تدعم الوعي بالثقافة والهوية الوطنية والإنسانية، من خلال التعاون بين المؤسسات المختلفة.
توصيات لصناع القرار والعاملين مع الشباب في تعزيز الهوية والقيم
نوصي صناع القرار والسياسات والخطط الاستراتيجية الموجهة للشباب، ومن يعملون ضمن بناء برامج الشباب وتعليمهم وإعدادهم، بتبني الحلول التالية لتعزيز الهوية والقيم:
- إتاحة الفرصة للشباب للمشاركة الفعلية في صياغة السياسات والبرامج التي تستهدفهم، من خلال مجالس شبابية استشارية وتمثيل حقيقي في الهيئات المعنية.
- بناء برامج منظمة لإبراز نماذج شبابية سعودية ناجحة تجسّد القيم المستهدفة في مجالات متنوعة، مع الاستثمار في المؤثرين الإيجابيين وصناع المحتوى الرقمي لنقل الرسائل القيمية بأساليب قريبة من الشباب.
- توفير منصات ومساحات آمنة للحوار حول القضايا القيمية والفكرية، تتيح للشباب طرح تساؤلاتهم ومناقشة التحديات الفكرية التي يواجهونها.
- تصميم برامج متخصصة لتمكين الأسر من أدوات التربية القيمية المعاصرة، وتعزيز التواصل بين الأجيال، ومساعدة الوالدين على فهم التحديات التي يواجهها أبناؤهم والتعامل معها بوعي.
- تطوير آليات رصد علمية للتحولات القيمية السلبية والمؤثرات الفكرية الخطرة، تمكّن صناع القرار من التدخل الاستباقي.
- اعتماد منهجيات تقييم علمية لقياس فاعلية البرامج القيمية، والاستفادة من نتائج التقييم في التحسين المستمر، مع توثيق التجارب الناجحة ونشرها لتعميم الفائدة.
هذا والحمد لله رب العالمين
المراجع
[1] رؤية السعودية 2030، https://www.vision2030.gov.sa/ar/
[2] Groh, Arnold (2019). Theories of Culture. London: Routledge, ISBN 978-1-138-66865-2
[3] عبد الله سعيد القحطاني، قيم المواطنة لدى الشباب وإسهامها في تعزيز الأمن الوقائي، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، رسالة دكتوراة، 2010.
[4] GSR Behaviour Change Knowledge Review (2008). Reference Report: An overview of behaviour change models and their uses
[5] How does cultural change take place? https://www.reddit.com/r/sociology/comments/1h8ikqs/how_does_cultural_change_take_place/
[6] Seven Principles for Evidence-Based Culture Change, https://oxford-review.com/seven-principles-for-evidence-based-culture-change/
[7] Jennifer H Pfeifer 1, Elliot T Berkman ,The Development of Self and Identity in Adolescence, , PMCID: PMC6667174 NIHMSID: NIHMS950947 PMID: 31363361. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6667174/
[8] مؤسسة مسك، تقرير دراسة مؤشر القيم والشخصية للشباب 2020، https://cdnhub.misk.org.sa/media/0w3jrjlr/a5-valuesar-short.pdf
[9] د سليمان عبد الله العقيل، خصائص المجتمع العربي السعودي الاجتماعية، 2005. https://faculty.ksu.edu.sa/ar/salakeel/publication/364899
[10] صالح محمد الصغير، شباب المملكة العربية السعودية ومشكلاته،
[11] Dr. Arif Ali Khan (King Edward Medical College, Lahore) ,Youth Culture and Identity Formation in a Globalized World, Journal of Political Stability Archive, https://journalpsa.com.pk/index.php/JPSA/article/download/6/6/12
[12] Abhishek Kumar Singh , A Study of Popular Culture and its Impact on Youth’s Cultural Identity, https://www.redalyc.org/journal/7038/703874214016/html/
[13] د أبو بكر رفيق، مخاطر العولمة على الهوية الثقافية للعالم الإسلامي، دراسات الجامعة الإسلامية العالمية شيتاغونغ، ISSN 1813-7733، المجلد الرابع، ديسمبر 2007 (ص 5 – 16 ). https://www.banglajol.info/index.php/IIUCS/article/view/2858/2372
مرشاد